الجصاص

152

الفصول في الأصول

وأيضا : فكما أن ظاهر من روى عمن لقيه : السماع منه ، فكذا ظاهر من حمله عنه أهل العلم : أنه عدل ، مقبول الرواية ، حتى يثبت غيره . وأما قوله : إن الصحابي إنما يروى عن صحابي مثله ، وكلهم مقبول الرواية ، فإنه ليس كذلك ، لأنه قد كان في عصر النبي عليه السلام من حكم الله بفسقه ، بقوله تعالى : ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) ( 1 ) وهو : الوليد بن عقبة ، وقد كان قوم آخرون هناك قد رأوا النبي عليه السلام وعملوا بعده أعمالا أسقطت عدالتهم ، وهذا ما لا خفاء به . أيضا : فلو أن حاكما حكم بشهادة شاهدين وأسند ( 2 ) بهما ولم يسمهما - لم يجز لأحد الاعتراض على حكمه ، لأجل تركه تزكية الشهود ، وكان أمرهم محمولا على الصحة والجواز . كذلك من روى عمن لم يسمه ، يجب حمل أمره على الصحة والعدالة ، حتى يثبت غيرهما . فإن قيل : إن الجرح والتعديل طريقه الاجتهاد ، ويجوز أن يعدل ( 3 ) الراوي عنه ، ولا يكون عندي عدلا ، فيحتاج أن يتبين حيث تثبت عدالته ، كما أن شاهدين لو شهدا على شهادة شاهدين ، ولم يسمياهما ، فلم يجز للقاضي الحكم بشهادتهما ، حتى يسمياهما فينظر القاضي في حالهما ، كذلك المرسل . قيل له : أما من شاهدناه وخبرنا أمره - فالواجب الرجوع في جرحه وتزكيته إلى معرفتنا به ، أو مسألة من خالطه ، وخبر أمره - عنه . وأما من كان من أهل الأعصار المتقدمة فإنا لا نصل إلى معرفة عدالته وثقته إلا بنقل الأئمة عنه . فتكون روايتهم تعديلا منهم له ، فلا يجوز لنا أن نتعقبهم في تعديلهم إياه بغيره . وأما الشهادة على الشهادة : فليست من هذا في شئ ، من قبل أنه : يقبل في رواية الأخبار ما لا يقبل في الشهادات . ألا ترى : أنه يقبل منه فلان عن فلان ، ولا يقبل في الشهادة إلا أن يقول : أشهدني على شهادته ، فعلمت : أن روايات الأخبار غير معتبر بالشهادة على الشهادة ، من الوجه الذي ذكرت .